jump to navigation

عسكري دبر راسك… المواطن السوري والبحث عن الخلاص الفردي 14 أكتوبر 2008

Posted by mauriceaaek in في الميدان.
trackback

“بدي منك 200 ليرة”… هكذا ومن دون مقدمات طلب الموظف من لؤي 200 ليرة حتى قبل أن ينظر إلى أوراقه ويلحظ صلاحيتها أو اكتمالها… لكن لؤي الذي يريد استخراج دفتر للعائلة سأل موظف النفوس مستفسراً عن سبب طلبه للمال فكان رد الموظف:

“حتى تمشي معاملتك بدي 200 ليرة…”

بعد هذا الطلب العلني للرشوة، بدأ جدال بسيط بين لؤي والموظف ما لبث أن تحول إلى شجار توعد بعده كل منهما الآخر، فترك لؤي القاعة التي تعج بعشرات المراجعين، وذهب إلى الطابق الثاني قاصداً مكتب مدير الدائرة، وسرد قصته مفصلة وكيف طلب الموظف رشوة علنية ومن ثم كيف تشاجرا…

المدير المعني انتظر ببرودة أعصاب أن يكمل لؤي حديثه ثم التفت إلى ضيف يجلس بجواره وقال:

 “انظر… موظفنا يعمل في أصعب الظروف من الصباح حتى الظهيرة كي يأتي مراجع يتهمه بالرشوة هكذا بكل بساطة!! ما هؤلاء المراجعين… الله يعين موظفينا عليهم”.

ثم التفت إلى لؤي وقال له: “تعال صباح الغد ربما يكون الموظف بمزاج أفضل وينجز لك معاملتك… الآن آخر الدوام وربما يكون الموظف تعباً ومتوتراً”.

لؤي الذي لم يناقش المدير بعد تلك الجملة ليقينه بعدم الجدوى، عاد إلى القاعة السفلى والتقط العديد من الصور بواسطة كاميرا هاتفه الجوال لصف طويل أمام “شباك الرشاوى” وأتاني بها طالباً نشرها في الصحافة…

ملاحظة: شباك الرشاوى هذا بحسب لؤي هو شباك ثان بجانب شباك المراجعين المعتمد، لكنه شباك مخصص للمعاملات التي يدس المراجعون فيها “أوراقاً نقدية” وطبعاً لا زحام عليه، فيما يتكدس المراجعون أمام الشباك المعتمد!!!

حين أخذت التفاصيل بقصد النشر طلب مني لؤي أن أتريث قليلاً إلى اليوم التالي لأنه يريد أن يعاود الكرة علّ وعسى يستطيع استخراج “دفتر العائلة” قبل نشر القصة في الصحافة. لكن حين أتى في اليوم التالي من دائرة النفوس حاملاً دفتر عائلته بيده، قدم لي اعتذاراً ضمنياً عن مساهمته في النشر، فأموره قد حلت ولكن كيف؟ لقد وقف هو نفسه على “شباك الرشاوى” ودس 300 ليرة في أوراقه وتخلص من الوقوف لساعات في طابور دائرة النفوس.

 – ليش يا لؤي؟!!

–  إيه شو أنا لحالي بدي صلح الكون… المهم مشيت وراقي وصار الدفتر بجيبي. بعدين البلد كلها ماشية هيك.

جلب لي لؤي ذات مرة أيضاً صورة التقطها بكاميرا هاتفه الجوال لمحطة تبيع المازوت، (قبل إصدار قسائم الدعم بأيام معدودة) وطلب مني نشرها مبيناً أن تلك المحطة تتقاضى 25 ليرة سورية إضافية (كمبلغ مقطوع) عن كل (بيدون) مازوت تملؤه بغض النظر عن سعره… أيضاً تشاجر لؤي مع موظف المحطة في دفاع مستميت عن حقه وهرع قاصداً الصحافة… لكن في اليوم التالي ذهب إلى المحطة ودفع 50 ليرة سورية إضافية، 25 المبلغ المقطوع الذي تأخذه المحطة كـ “أتاوة” و25 ليرة أخرى دفعها لعامل المحطة كي يتهرب من الوقوف في الطابور الطويل. والحجة جاهزة…

– ليش يا لؤي؟!!

– مارح صلح الكون لوحدي… بدي مشي أموري!

لطالما نظر إلي “المواطن” لؤي الحايك كمسؤول عن إيصال تظلماته من موظفي الدولة إلى رؤسائهم عبر الصحافة (ينظر لؤي إلى الصحافة كأنها وسيلة لإيصال تظلماته إلى المسؤولين الأعلى فقط وليس إلى الرأي العام) ودوماً كان يحمل لي شكاوى مختلفة ومتنوعة حول أحداث تمتلئ بالفساد تصادفه في عمله كصاحب ورشة خياطة صغيرة،  ورغم أني لم أتمكن إلى الآن من نشر شكوى واحدة من لؤي بسبب تراجعاته اللاحقة، وانخراطه في دائرة ما كان يسميه فساداً، إلا أن جدالاً طويلاً كان يحدث في كل مرة يأتني بها بشكوى. وكان الجدال بالطبع لا يعكس ووجه نظره الشخصية فقط  بقدر ما يدعم رأيه برأي أصدقائه وأترابه المتعددين والمتنوعين، ليثبت لي أن من حقه أن يبحث أولاً عن مصلحته الفردية أولاً… لا بل وأخيراً.

نور الدين الأشرف، سائق التاكسي الذي يخصص حصة من دخله اليومي لشرطة المرور(كما يقول)، يبرر هو الآخر انخراطه في نظام الرشاوى هذا، بأن لا خيار آخر أمامه، ويصر على أن هذا الخيار فرض عليه، إذ لا يستطيع أن يحمي نفسه إلا بكسب ودّ “الشرطة”.

لكن لماذا لا تستطيع؟! ألا يحميك القانون؟!

حين سألت هذا السؤال ضحك نور بصوت عال!! وحين كررت السؤال ضحك مرة أخرى لكن بصوت منخفض! وحين أكدت على سؤالي للمرة الثالثة… صمت السائق وتحولت نظراته لي إلى خشية ممزوجة بالشك والغضب؟؟!! وغير حديثه فوراً متناولاً أحوال الطقس والحر الشديد الذي “ابتلانا به الله!!!”

“الضرورات تبيح المحظورات”

كان هذا جواب آخر أتى من سائق ميكرو باص حين سألناه عن حرمة دفع الرشوة، صغيرة كانت أم كبيرة “فالراشي والمرتشي بالنار…” لكنه أصر على أن الضرورات تبيح المحظورات، والضرورات هنا لدفع ضرر أكبر بضرر أصغر.

الأجوبة العديدة التي أتت اتسمت بلون واحد، خلّف سؤالاً جدياً عن الخيارات الأخرى التي تتوافر أمام “المواطن” الذي لا يرغب بدفع الرشوة، على الأقل كي لا تكون مقولة الضرورات تبيح المحظورات هي المقولة الأكثر واقعية… هل يشتكي؟! هل ينتظر القانون ليأخذ له حقه؟! ما هي الخيارات الواقعية؟

قد تكون هناك خيارات عديدة لكن “المواطن” دافع الرشوة يستند إلى تجربته الاجتماعية الطويلة ليستنتج عدم جدوى الشكوى وعدم جدوى البحث عن بدائل وعدم جدوى الارتكان لحماية القانون أو الأنظمة القائمة.

 

وهذا التسليم بعدم الجدوى لم يكن حكراً على علاقة سائقي وسائط النقل العام بشرطة السير مثلاً ولا يقتصر كذلك على طبقة اجتماعية غير متعلمة أو محدودة الثقافة. فالأستاذ وهيب المارديني مثلاً، وهو مدرس للغة الانكليزية، قضى أياماً طويلة يعارك في أروقة وزارة التربية لتغيير قرار نقل جائر صدر بحقه بعد شجاره مع مفتش المادة، ولم يتمكن بعد كل تلك الأيام من استعادة حقه. وحين سألته عن صندوق الشكاوي في الوزارة، أكد أنه يمر أمام هذا الصندوق عشرات المرات يومياً لكنه لم يفكر مطلقاً ولو للحظة أن يضع شكواه بداخله…!!

– لماذا؟

– لا جدوى…

– ولكن هل حاولت؟

– لا لم أحاول…

– حاول إذن

– لا أريد أن أعيش الوهم… شو ماني عايش بالبلد؟؟؟

 

عسكري دبّر راسك

هذه السمة الفردية والبحث عن الخلاص الفردي بات منتشراً في أوساط “المواطنين” أكثر بكثير من فكرة تحصيل الحق بقوة القانون أو تقديم شكوى من شأنها معاقبة الفاسد وبالتالي العودة بالفائدة على باقي الناس “المواطنين”

تلك الفردية التي أذكر أن ضابطاً كبيراً انتقدها أثناء أدائي لخدمة العالم قائلاً:

 “هناك جملة يتم تداولها كثيراً دون وجه حق… هي جملة لا تعبر عن إنسانيتنا ولا عن مواطنتنا. من المعيب أن نسمع جملة …عسكري دبر راسك…”

هذه الفردية هي بمثابة المقتل لأفراد الجيش، وهي بذات الوقت المقتل لأفراد المجتمع.

وأشار ذاك الضابط حينها إلى أن المقولة “عسكري دبر راسك” نشأت أثناء حرب (السفربلك) أو الحرب العالمية الأولى في ظل الاحتلال العثماني بداية هذا القرن، حينما كان الشبان يساقون للحرب في أرض ليست لهم ودفاعاً عن قضية لا تعنيهم في البلقان واليونان وعلى أطراف روسيا، حينها لم يكونوا “مواطنين” بل كانواً رعايا… حينها لم يكونوا مقاتلين مجندين بل بمثابة الأسرى… وحينها كان بحثهم في تلك الجبهات البعيدة عن الخلاص الفردي مكثفاً في شعار “عسكري دبر راسك”.

أستذكر كلام الضابط في كل مرة أتساءل عن ثقافة عسكري دبر راسك التي انتشرت في كل تفاصيل المجتمع، بين المواطن والحكومة، وبين المواطن والمواطن، وحتى بين أفراد الحي والبناء وربما الأسرة. فما الذي يدفعنا لنكون مواطنين لا نشعر بمواطنية تجمعنا، وما الذي جعلنا نبحث عن خلاصنا الفردي دون شعورنا بوجود من يحمي حقوق خلاصنا الجماعي، وكيف السبيل حقيقة لنتمكن من تغيير سلوكن اكتسبناه وكرسته فينا سنوات من التجربة الاجتماعية…

يقول الراحل السوري الكبير أنطوان مقدسي؛ “إن الحل للمأزق الذي يعيش فيه العالم العربي “هو ثقافي، وإنساني، في المقام الأول، ولكن الحل الثقافي بحاجة إلى وقت طويل”.

مجلة شبابلك – العدد 38

Advertisements

تعليقات»

No comments yet — be the first.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: